أحمد بن علي القلقشندي

563

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الضرب الثاني ديوان الإنشاء ، وكان يتعلق به عندهم ثلاث وظائف : الأولى - « صحابة ديوان الإنشاء والمكاتبات » وكان لا يتولَّاه إلا أجل كتاب البلاغة ، ويخاطب بالأجلّ ؛ وكان يقال له عندهم كاتب الدّست الشريف ، وإليه تسلَّم المكاتبات الواردة مختومة فيعرضها على الخليفة من يده ، وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها ؛ ويستشيره الخليفة في أكثر أموره ؛ ولا يحجب عنه متى قصد المثول بين يديه ، وربما بات عنده الليالي ، ولا سبيل إلى أن يدخل إلى ديوانه ولا يجتمع بكتّابه أحد إلا خواصّ الخليفة . وله حاجب من أمراء الشّيوخ ، وله مرتبة عظيمة للجلوس عليها بالمخادّ والمسند ، ودواته من أخصّ الدّويّ وأحسنها إلا أنه ليس لها كرسيّ توضع عليه كدواة قاضي القضاة ، ويحملها له أستاذ من الأستاذين المختصين بالخليفة إذا أتى إلى حضرته ( 1 ) . الثانية - « التوقيع بالقلم الدقيق في المظالم » وهي رتبة جليلة تلي رتبة صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات ، يكون صاحبها جليسا للخليفة في أكثر أيام الأسبوع في خلوته ، يذاكره ما يحتاج إليه من كتاب اللَّه تعالى أو أخبار الأنبياء والخلفاء الماضين ، ويقرأ عليه ملح السّير ، ويكرر عليه ذكر مكارم الأخلاق ، ويقوّي يده في تجويد الخط وغير ذلك . وصحبته للجلوس دواة محلَّاة ، فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغدة فيها عشرة دنانير ، وقرطاس فيه ثلاثة مثاقيل ندّ مثلَّث خاصّ ليتبخر به عند دخوله على الخليفة ثاني دفعة . وإذا جلس الوزير صاحب السيف للمظالم ، كان إلى جانبه يوقّع بما يأمر به في المظالم . وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن ، وفرّاش لتقديم القصص ؛ ويرفع إليه هناك قصص المظالم ليوقّع عليها بما يقتضيه الحال كما يفعل كاتب السر الآن .

--> ( 1 ) وزاد المقريزي على ما تقدّم : « وكان جارية مائة وعشرين دينارا في الشهر » . ( خطط المقريزي : 1 / 402 ) .